محمد أبو زهرة

3805

زهرة التفاسير

التسوية واجبة بينهم ، وزعمهم أنه لم يسوّ بينهم ، كما صوره لهم وهمهم ، وأكدوا أن يوسف وأخوه أحب إلى أبيهم ، فعبروا بقولهم وَأَخُوهُ ، كأنه ليس أخاهم ، ولكن الشر استحكم في نفوسهم . وَنَحْنُ عُصْبَةٌ أي قوة نافعة له في زرعه وضرعه ، وكل حاجاته ، لينتهوا بأن قالوا كما زين لهم الشيطان بسبب الحسد : إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ أي أنه بعيد عن الصواب بعدا بينا ، وأكدوا ذلك الذي توهموه ب إِنَّ المؤكدة ، و ( اللام ) في قوله : لَفِي ضَلالٍ ، والتعبير لَفِي فيه إشارة إلى أن الضلال محيط به إحاطة المظروف بظرفه ، سيطر الشيطان على نفوسهم ، فحرك الحسد إلى أقصى غاياته ، فابتدءوا تدبيرهم فقالوا : اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ ( 9 ) . هذا تصوير للجريمة كيف يبتدئ دخولها في نفس من تسول له نفسه الإجرام ، لقد زينوا لأنفسهم أولا أنهم الأجدر بالمحبة ، وأنهم الأنفع ، ثم اندفعوا إلى تدبير الجريمة وتنفيذ القتل ، أو أن يطرحوه أرضا بعيدة عن العمران ، فاتفقوا على أحد الأمرين إما القتل ، وإما النفي ، وتركه في أرض اللّه . ولكن واحدا منهم أبعد فكرة القتل ، وقال : لا تقتلوه . ومعنى : يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ يكون خالصا خاليا من الحب الذي كان ليوسف ، وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ أي تستقيم حياتكم مع أبيكم ، ويصلح أمركم مع أبيكم بعذر تعتذرونه ، أو تتوبوا عن إثم القتل ، وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ ، وهكذا تزين الجريمة ، وتقرب التوبة . قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ ( 10 ) .